السيد عباس علي الموسوي
208
شرح نهج البلاغة
هادئة يسمعون كلام معاوية ويطيعونه ومع الأمن والهدوء تتم الصناعات ويفلح التجار وتروج السلع . وهكذا عكس أهل العراق فقد كان الاضطراب يسود البلاد وتعم الفوضى وينتشر حبل الفرقة والاختلاف . . وهذه الأمور الأربعة مع القيام بها يكون النجاح والفوز والظفر ومع الإخلال بها يكون الوهن والسقوط والهزيمة وقد وضع اللّه للنجاح والفشل أسبابا فمن أخذ بعوامل النجاح نجح ومن اختار الأخرى سقط . ثم إن الإمام اشتد في ذمهم بما ضربه لهم بأنهم لو ائتمنهم على كأس وهو أمر زهيد لا يطمع فيه ذو مروءة وكرامة وصاحب همة ونفس عالية ، لو ائتمنهم على ذلك لخانوه فيه ولم يسلموه له كما سلمهم إياه بل لا بد وأن يسلبوا منه شيئا ولو كانت عروته والمهم عندهم أن لا يسلموا الأمانة كما تسلموها . . وهذا رمي لهم بالخيانة وإنه لم يسلم من خيانتهم له . . ( اللهم إني قد مللتهم وملوني وسئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيرا منهم وأبدلهم بي شرا مني ، اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء ، أما واللّه لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم . هنالك لو دعوت أتاك منهم : فوارس مثل أرمية الحميم ) كنت أقرأ هذه الكلمات فأتصور سيدي الإمام وهي تخرج من بين ثناياه وقد جرحت قلبه الكريم وأدمت عينيه الشريفتين . . كنت أحس أن عليا في أشد المعاناة والألم وفي أقسى ظروف حياته . . كنت أتصور أن معارك الإسلام في بدر وأحد وخيبر والأحزاب والمناوشة بالسيوف والتعرض للموت أيسر بكثير مما يعانيه الإمام الآن وما يعيشه من الظروف الصعبة القاسية . . . واللّه إنني أقرأها فتجرح قلبي ويشدني الأسى والألم وأتذكر عليا وهي تخرج منه محملة بأشد ما يكون الأسى والمعاناة . . إنني أعرف عليا يتحمل ما لا تتحمله الجبال الرواسي فكيف خرجت هذه الكلمات منه وكيف تحمل إخراجها . . وكيف استطاعت الآذان أن تلتقطها ثم لا تستجيب لندائه أو تموت . . . اللهم إني قد مللتهم لخيانتهم وتقاعسهم وعدم الاستجابة للحق . . . مللتهم لرفضهم الأوامر الشرعية وبعدهم عن امتثالها . . مللتهم لأنهم يريدون الدعة والسكون